الشيخ محمد رشيد رضا

397

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المؤمن على كل خلق ليس الخيانة والكذب » رواه البيهقي في شعب الايمان عن ابن عمرو رضي اللّه عنهما * * * وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ أي لو أن لكل نفس تلبست بهذا الظلم جميع ما في الأرض من أنواع الملك والزينة وصنوف النعيم وأمكنها أن تفتدي به أي تجعله فداء لها من ذلك العذاب الذي قيل لهم ذو قوة ينقذها منه بذلها له ، لافتدت به كله لا تدخر منه شيئا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ إسرار الشيء إخفاؤه وكتمانه ، وإسرار الحديث والكلام خفض الصوت به ، فهو ضد اعلانه والجهر به ومنه ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ * إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ ) واستعمل بمعنى الجهر مطلقا فهو ضد وأنكره بعضهم ، والندم والندامة ما يجده الانسان في نفسه من الألم والحسرة عقب كل فعل يظهر له ضرره ، وقد يجهر به بالكلام كقوله « يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ » أو بالتوبة والاستغفار ، وقد يخفيه ويكتمه لعدم الفائدة من اعلانه أو اتقاء للشماتة أو الإهانة به ، أي وأسر أولئك الذين ظلموا ندامتهم وحسرتهم فيما بينهم وبين ربهم أو كتموها في قلوبهم لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ أي رأوا مباديه عيانا بأبصارهم لما برزت الجحيم وأيقنوا أنهم مواقعوها لا مصرف لهم عنها ، وقد يعبر برؤيته عن وقوعه والظاهر الأول لقوله وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي وقضى اللّه بينهم وبين خصومهم بالعدل والحق ، فإذا أريد بالظلم الكفر والتكذيب وما يلزمه من الايذاء فخصومهم الرسل والمؤمنون بهم ، وكذا من أضلوهم وظلموهم من المرءوسين والضعفاء الذين كانوا يغرونهم بالكفر ويصدونهم عن الايمان وهو ظاهر السياق هنا وفي سورة سبأ بعد حكاية مجادلة الظالمين والمظلومين يوم القيامة ( 34 : 33 وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) وإن أريد بالظلم ما يعم ظلمهم للناس في الاحكام وهضم الحقوق كان كل مظلوم خصما لظالمه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أي لا يظلمهم اللّه كما ظلموا أنفسهم وظلموا أتباعهم ومقلديهم ، بل هم الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم . والآيات في ندم الظالمين يوم القيامة